مؤسسة الشرق الأوسط للنشر العلمي
عادةً ما يتم الرد في غضون خمس دقائق
حظيت الاستعارة قديما وحديث باهتمام بالغ بهدف محاولة تفسير كيفية تشكلها في اللغات، وكذا تحديد الآليات المتحكمة في ذلك. وارتباطا بما هو حديث؛ ظهرت - في ظل الطرح اللساني – جملة من الفرضيات التي حاولت تفسير الكيفية التي من خلالها تبرز تلك التجليات الاستعارية اللغوية إلى الوجود، ومن جملة هذه الفرضيات، نجد فرضية التعيين مع " جيفري غروبر" (1965)، وكذا فرضية الدور النمطي مع "إليانور روش" (1978)، بالإضافة إلى فرضية حذف السمة لــ"محمد غاليم"(1987) التي استلهمها من التصور الذي قدمه قبله "فندريش" (1972)، وغيرها من الفرضيات التي تبلورت في ظل التوجه الدلالي التوليدي، وما تلاها من المقاربات المنبثقة عن اللسانيات المعرفية. ويبقى الطرح التجريبي الذي تبناه كل من "جورج ليكوف" و"مارك دجونسون" ( 1980) حول الاستعارة التصورية، وما تفرع عنه من تعديلات على هذه النظرية مع كل من "مارك دجونسون" (1987 ) و جورج ليكوف(1987 )، وكذا الانتقادات التي تمثلت في نظرية المزج التصوري مع كوفيتش ( 2005)؛ من بين أهم المقاربات الذهنية التي أغنت البحث اللساني حول مفهوم الاستعارة في علاقة هذا المفهوم بتجربة الإنسان الجسدية بالمحيط والفضاء من حوله. وارتباطا بمفهوم الاستعارة والجَسَدْنَة التي نظَّر لها رواد الطرح التجريبي للاستعارة، خاصة "ليكوف" و"مارك دجونسون" (1999)؛ فإني سأسلط الضوء على التعابير الاستعارية التي تستثمر أعضاء الجسد عموما، والرأس على وجه الخصوص، قاصدا بذلك الكشف عن مظاهر الكليات في تلك التعابير، مع الوقوف على تجليات الوسائط والاختلاف في تلك التجليات الاستعارية اللغوية. ويكون الإشكال الذي تروم الورقة الاشتغال عليه هو:كيف يمكننا تفسير وحدة المنطلقات الذهنية البشرية المنتجة للاستعارات، وبالمقابل تعدد التعابير اللغوية التي توظف فيها مجموعة لغوية ما أعضاء جسد الإنسان بشكل مختلف تماما عن غيرها من الأنظمة اللغوية التي قد تشاركها الفصيلة اللغوية نفسها. وبناء على ذلك؛ فإننا سنطرق الإشكالية السالفة الذكر بالاعتماد على منهج استنباطي، ننطلق فيه من العام (الإطار النظري) إلى الخاص ( الاشتغال على المعطيات في بعض اللغات الطبيعية)، في محاولة للإجابة عن الأسئلة التالية: ما مظاهر الكليات في الاستعارات القائمة على أعضاء الجسد؟ وكيف يمكننا تفسير صور الاختلاف في هذه الاستعارات من الناحية التصورية؟ وما مظاهر الكلية والخصوصية في الاستعارات المتصلة بالرأس في بعض اللغات الطبيعية؟